الآلوسي
176
تفسير الآلوسي
حقيقياً لشيوعه . * ( والاَْرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) * . * ( وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ) * بسطناها وهو لا ينافي كريتها التامة أو الناقصة من جهة القطبين لمكان العظم * ( وَأَلْقَيْنَا فيهَا رَوَاسيَ ) * جبالاً ثوابت تمنعها من الميد كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى : * ( رواسي أن تميد بكم ) * ( النحل : 15 ) وهو ظاهر في عدم حركة الأرض ، وخالف في ذلك بعض الفلاسفة المتقدمين وكل الفلاسفة الموجودين اليوم ، ووافقهم بعض المغاربة من المسلمين فزعموا أنها تتحرك بالحركة اليومية بما فيها من العناصر وأبطلوا أدلة المتقدمين العقلية على عدم حركتها ، وهل يكفر القائل بذلك الذي يغلب على الظن لا * ( وَأَنْبَتْنَا فيهَا منْ كُلِّ زَوْج ) * صنف * ( بَهيج ) * حسن يبهج ويسر من نظر إليه . * ( تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) * . * ( تَبْصرَةً وَذكْرَى لكُلِّ عَبْد مُنيب ) * راجع إلى ربه ، وهو مجاز عن التفكر في بدائع صنعه سبحانه بتنزيل التفكر في المصنوعات منزلة الرجوع إلى صانعها ، و * ( تبصرة وذكرى ) * علتان للأفعال السابقة معنى وإن انتصبا بالفعل الأخير أو لفعل مقدر بطريق الاستئناف أي فعلنا ما فعلنا تبصيراً وتذكيراً ، وقال أبو حيان : منصوبان على المصدرية لفعل مقدر من لفظهما أي بصرنا وذكرنا والأول أولى . وقرأ زيد بن علي * ( تبصرة وذكرى ) * بالرفع على معنى خلقهما تبصرة وذكرى ، وقوله تعالى : * ( وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ) * . * ( وَنَزَّلْنَا منَ السَّمَاء مَاءً مُبَارَكاً ) * أي كثير المنافع شروع في بيان كيفية ما ذكر من إنبات كل زوج بهيج ، وهو عطف على * ( أنبتنا ) * وما بينهما على الوجهين الأخيرين اعتراض مقرر لما قبله ومنبه على ما بعده * ( فَأَنْبَتْنَا به ) * أي بذلك الماء * ( جَنَّات ) * كثيرة كما يقتضيه المقام أي أشجاراً ذات ثمار * ( وَحَبَّ الْحَصيد ) * أي حب الزرع الذي من شأنه أن يحصد من البر والشعير وأمثالهما ، فالإضافة لما بينهما من الملابسة ، و * ( الحصيد ) * بمعنى المحصود صفة لموصوف مقدر كما أشرنا إليه فليس من قبيل مسجد الجامع ولا من مجاز الأول كما توهم ، وتخصيص إنبات حبه بالذكر لأنه المقصود بالذات . * ( والنَّخْلَ باسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ) * . * ( وَالنَّخْلَ ) * عطف على * ( جنات ) * وهي اسم جنس تؤنث وتذكر وتجمع ، وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في الجنات لبيان فضلها على سائر الأشجار ، وتوسيط الحب بينهما لتأكيد استقلالها وامتيازها عن البقية مع ما فيه من مراعاة الفواصل * ( بَاسقَات ) * أي طوالاً أو حوامل من أبسقت الشاة إذا حملت فيكون على هذا من أفعل فهو فاعل ، والقياس مفعل فهو من النوادر كالطوائح واللواقح في أخوات لها شاذة ويافع من أيفع وبأقل من أبقل ، ونصبه على أنه حال مقدرة . وروى قطبة بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ * ( باصقات ) * بالصاد وهي لغة لبني العنبر يبدلون من السين صاداً إذا وليتها أو فصل بحرف أو حرفين خاء معجمة أو عين مهملة أو طاء كذلك أو قاف * ( لَهَا طَلْعٌ نَضيدٌ ) * منضود بعضه فوق بعض ، والمراد تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من مادة الثمر ، والجملة حال من النخل كباسقات بطريق الترادف أو من ضميرها في * ( باسقات ) * على التداخل ، وجوز أن يكون الحال هو الجار والمجرور و * ( طلع ) * مرتفع به على الفاعلية ، وقوله تعالى : * ( رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَالِكَ الْخُرُوجُ ) * . * ( رزْقاً للْعبَاد ) * أي ليرزقهم علة لقوله تعالى : * ( فأنبتنا ) * وفي تعليله بذلك بعد تعليل * ( أنبتنا ) * الأول بالتبصير والتذكير تنبيه على أن اللائق بالعبد أن يكون انتفاعه بذلك من حيث التذكر والاستبصار أقدم وأهم من تمتعه به من حيث الرزق ، وجوز أن يكون * ( رزقاً ) * مصدراً من معنى * ( أنبتنا ) * لأن الإنبات رزق فهو من قبيل قعدت جلوساً ، وأن يكون حالاً بمعنى مرزوقاً * ( وَأَحْيَيْنَا به ) * أي بذلك الماء * ( بَلْدَةً مَّيْتاً ) * أرضاً جدبة لا نماء فيها بأن جعلناها بحيث ربت وأنبتت وتذكير * ( ميتاً ) * لأن البلدة بمعنى البلد والمكان ، وقرأ أبو جعفر . وخالد * ( ميتاً ) * بالتثقيل * ( كَذَلكَ الْخُروجُ ) * جملة